ابن الجوزي
280
صفة الصفوة
فاستعمل الصبر فإنه رأس الإيمان ، فإن لم تجد فعليك بالتجمل ولا تشك من ليس بأهل أن يشكي وهو من أهل الشكر والثناء لقديم ما أولى ، فإذا اضطررت وقلّ صبرك فالجأ إليه بهمّك وأشك إليه بثّك واحذر أن تستبطئه وتسيء به ظنا فإن كلّ شيء بسبب ولكل سبب أجل ، ولكل أجل كتاب ، ولكل همّ من اللّه فرج . ومن علم أنه بعين اللّه استحيا أن يراه يرجو سواه ، ومن أيقن بنظر اللّه إليه أسقط اختيار نفسه ، ومن علم أن اللّه الضارّ النافع أسقط مخاوف المخلوقين . فراقب اللّه في قربه واطلب الأمور من معادنها ، واحذر أن تعتمد على مخلوق أو تفشي إليه سرّا أو تشكو إليه شيئا ؛ فإن غنيّهم فقير ، وفقيرهم ذليل في فقره ، وعالمهم جاهل في علمه ، وجاهلهم فاجر في فعله ، إلا القليل ممن عصم اللّه . فاتقوا الفاجر من العلماء والجاهل من العباد فإنهم فتنة لكل مفتون . وقال عبد اللّه بن سهل : بات عندي أبو الحارث الأولاشي فسألته عن مفارقته إبراهيم بن سعد العلوي فقال : كانت الدنيا طوع يديه ، فلما انتهى إلى الساحل قال لي : ترجع ؟ قلت : بل أصحبك . فتفل في البحر فإذا جوق من سمك مصفوف فوق الماء كأنه سرير ، فوثب إليه ثم قال لي : اللّه خليفتي عليك . قلت : ادع لي . قال : قد فعلت . فاحفظ حدود اللّه وارحم خلقه إلا من عاند . 301 - أبو إسحاق إبراهيم الآجريّ الصغير ولا يعرف اسم أبيه وقال أبو العباس بن مسروق وأبو محمد الحريري وأبو أحمد المغازلي وغيرهم ، عن إبراهيم الآجري ، قالوا : جاء يهوديّ يقتضيه شيئا من ثمن قصب . فكلّمه فقال له : أرني شيئا أعرف به شرف الإسلام وفضله على ديني حتى أسلم . فقال له : وتفعل ؟ قال : نعم . قال له : هات رداءك . قال : فأخذه فجعله في رداء نفسه ولف رداءه عليه ورمى به في النار - نار أتون الآجرّ - ودخل في أثره . فأخذ الرداء وخرج من الباب ففتح رداء نفسه وهو صحيح ، وأخرج رداء اليهوديّ حراقا أسود من جوف رداء نفسه . فأسلم اليهودي . رحمه اللّه .